شرح
المعتبر في الأُصول إنما هو اليقين والعرفان والاعتقاد ، وشئ من ذلك لا يتحقق بعقد القلب على ما يقوله الغير . بل هذا هو القدر المتيقن مما دلّ على ذم التقليد واتباع قول الغير في الأُصول كقوله عزّ من قال : * ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) * ( 1 )( 1 ) الزخرف 43 : 23 ..
نعم ، هناك كلام آخر في أنه إذا حصل له اليقين من قول الغير يكتفي به في الأُصول أو يعتبر أن يكون اليقين فيها مستنداً إلى الدليل والبرهان ؟ إلَّا أنه أمر آخر أجنبي عمّا نحن بصدده ، وإن كان الصحيح جواز الاكتفاء به إذ المطلوب في الاعتقاديات هو العلم واليقين بلا فرق في ذلك بين أسبابهما وطرقهما ، بل حصول اليقين من قول الغير يرجع في الحقيقة إلى اليقين بالبرهان ، لأنه يتشكَّل عند المكلَّف حينئذٍ صغرى وكبرى فيقول : هذا ما أخبر به أو اعتقده جماعة ، وما أخبر به جماعة فهو حق ، ونتيجتهما أن ذلك الأمر حق فيحصل فيه اليقين بأخبارهم .
2 - التقليد في الموضوعات الصرفة :
إذا رأى المجتهد أن المائع المعين خمر مثلًا أو أنه مما أصابته نجاسة ، فهل يجب على من قلَّده متابعته في ذلك ويعامل مع المائع المعين معاملة الخمر أو ملاقي النجاسة ؟
لا ينبغي التوقف في عدم جواز التقليد في الموضوعات الصرفة ، لأن تطبيق الكبريات على صغرياتها خارج عن وظائف المجتهد حتى يتبع فيها رأيه ونظره ، فإن التطبيقات أُمور حسية والمجتهد والمقلَّد فيها سواء ، بل قد يكون العامّي أعرف في التطبيقات من المجتهد فلا يجب على المقلَّد أن يتابع المجتهد في مثلها .
نعم ، إذا أخبر المجتهد عن كون المائع المعيّن خمراً ، أو عن إصابة النجس له وكان إخباره إخباراً حسياً ، جاز الاعتماد على إخباره إلَّا أنه لا من باب التقليد بل لما هو الصحيح من حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية ، ومن ثمة وجب قبول خبره على جميع المكلَّفين وإن لم يكونوا مقلَّدين له كسائر المجتهدين .