ومن الناس من يرى أن الصبي إذا بلغ وهو يفرط في إنفاق المال في وجوه الخير
من الصدقات ونحوها يكون سفيها لذلك ، والصحيح أنه لا يكون بذلك سفيها .
ومن الناس من يرى أن الرشد هو الصلاح في المال فقط . وعندنا ليس كذلك ،
بل لابد من الصلاح في الدين والمال ، وخالف فيه بعض أصحابنا وجماعة من العلماء
ومن السفه ما يكون طارئا ومنه ما يكون مستداما ، والشاهد قد يكون عاميا وقد
يكون فقيها ويرى سفها ما ليس بسفه عند القاضي . وكذلك الرشد . فكيف
تقبل شهادته مطلقة . فينبغي أن لا تقبل الشهادة بالسفه حتى يبين سببه ، ولا
بالرشد حتى يبين أنه مصلح لدينه وماله كما هي عادة المحاضر التي تكتب بالرشد .
وقال الماوردي : إذا أقر الراهن والمرتهن عند شاهدين أن يؤديا ما سمعاه مشروحا
فلو أرادا أن لا يشرحا بل شهدا أنه رهن بألفين ، فإن لم يكونا من أهل الاجتهاد
لم يجز ، وكذا إن كانا من أهل الاجتهاد في الأصح ، لان الشاهد ناقل ،
والاجتهاد إلى الحاكم
وقال ابن أبي الدم : الذي تلقيته من كلام المراوزة وفهمته من مدارج مباحثاتهم
المذهبية أن الشاهد ليس له أن يرتب الأحكام على أسبابها ، بل وظيفته نقل ما سمعه
أو شاهده ، فهو سفير إلى الحاكم فيما ينقله من قول سمعه أو فعل رآه ، وقد
اختلف أصحابنا في الشهادة بالردة ، هل تقبل مطلقة أو لابد من البيان ، والمختار
عندي أنه لابد من البيان وفاقا للغزالي لاختلاف المذاهب في التكفير ، ولجهل
كثير من الناس ، وإن كان الرافعي رجح قبولها مطلقة لظهور أسباب للكفر .
وهذه العلة لا يأتي مثلها في السفه والرشد
فيترجح أنه لابد من البيان كالجرح ، وليس الرشد كالتعديل حتى يقبل
مطلقا ، نعم هو مثله في الاكتفاء في الاطلاق في صلاح الدين ، والاطلاق في
صلاح المال لعسر التفصيل فيه .
أما إطلاق الرشد من غير بيان الدين والمال فلا يكفي ، وبعد أن أوضح
العلامة رحمه الله تقديم بينة الرشد على بينة السفه مقيدة بالتاريخ قال : وأما إذا
قبلناها مطلقة فالذي بحثه الولد - يعنى ابنه - صحيح . ويشهد له ما قاله الشيخ
تقى الدين أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله في فتاويه في ثلاث مسائل متجاورة في
المجموع — صفحة 371
مساهمون: النووي
ص٣٧١