وَاَللَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ خَلِيفَةٌ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ : يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ قَالَ : لَسْت بِخَلِيفَةِ اللَّهِ ؛ وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبِي ذَلِكَ .
بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَكُونُ خَلِيفَةً لِغَيْرِهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا } وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ شَهِيدٌ مُهَيْمِنٌ قَيُّومٌ رَقِيبٌ حَفِيظٌ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلَا ظَهِيرٌ وَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ .
وَالْخَلِيفَةُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْتَخْلَفِ بِمَوْتِ أَوْ غَيْبَةٍ وَيَكُونُ لِحَاجَةِ الْمُسْتَخْلَفِ إلَى الِاسْتِخْلَافِ .
وَسُمِّيَ " خَلِيفَةً " لِأَنَّهُ خُلِّفَ عَنْ الْغَزْوِ وَهُوَ قَائِمٌ خَلْفَهُ وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهَا ؛ فَإِنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ شَهِيدٌ لَا يَمُوتُ وَلَا يَغِيبُ وَهُوَ غَنِيٌّ يَرْزُقُ وَلَا يَرْزُقُ يَرْزُقُ عِبَادَهُ وَيَنْصُرُهُمْ وَيَهْدِيهِمْ وَيُعَافِيهِمْ : بِمَا خَلَقَهُ مِن الأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَلْقِهِ وَاَلَّتِي هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَيْهِ كَافْتِقَارِ الْمُسَبَّبَاتِ إلَى أَسْبَابِهَا .
فَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا { يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌ } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ خَلَفاً مِنْهُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا كُفْءَ لَهُ .
فَمَنْ جَعَلَ لَهُ خَلِيفَةً فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ { السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يَأْوِي إلَيْهِ كُلُّ ضَعِيفٍ وَمَلْهُوفٍ } وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ الظِّلَّ مُفْتَقِرٌ إلَى آوٍ وَهُوَ رَفِيقٌ لَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 45
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥