{ سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } الْآيَةَ .
وَإِذَا كَانَ التَّشَبُّهُ بِهَا إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَذْمُومُ التَّشَبُّهَ بِهَا : فَالْقَاصِدُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْمُوماً ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ تَشَبَّهَ بِهَا فِي عَيْنِ مَا ذَمَّهُ الشَّارِعُ : صَارَ مَذْمُوماً مِنْ وَجْهَيْنِ .
وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَمْ يَذُمُّهُ بِعَيْنِهِ : صَارَ مَذْمُوماً مِنْ جِهَةِ التَّشَبُّهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمَذْمُومِ بِعَيْنِهِ .
يُؤَيِّدُ هَذَا : " الْوَجْهُ الرَّابِعُ " وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ؛ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ } .
وَلِهَذَا يُذْكَرُ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَد تَنَاظَرَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ : الْكَلْبُ لَيْسَ بِمُكَلَّفِ .
فَقَالَ لَهُ أَحْمَد : لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ .
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْمَثَلَ إلَّا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا شَابَهَ الْكَلْبَ كَانَ مَذْمُوماً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَلْبُ مَذْمُوماً فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ : { سَاءَ مَثَلاً } أَنَّ التَّمْثِيلَ بِالْكَلْبِ مَثَلُ سَوْءٍ وَالْمُؤْمِنُ مُنَزَّهٌ عَنْ مَثَلِ السَّوْءِ .
فَإِذَا كَانَ لَهُ مَثَلُ سَوْءٍ مِن الكَلْبِ كَانَ مَذْمُوماً بِقَدْرِ ذَلِكَ الْمَثَلِ السَّوْءِ .
" الْوَجْهُ الْخَامِسُ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ } وَقَالَ : { إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ وَإِذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 258
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٨