أَوْ رِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا : كَانَ قَدْ ظَلَمَ مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِسْطُ الَّذِي يَخُصُّهُ .
وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الظُّلْمَ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لِغَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ : مِثْلَ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ أَدَاءِ مَا يَخُصُّهُ فَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ .
وَهَذَا كَالْوَظَائِفِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْقُرَى مِثْلَ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَيَطْلُبُ مَنْ لَهُ جَاهٌ بِإِمْرَةِ أَوْ مَشْيَخَةٍ أَوْ رِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَخْذِ جَمِيعِ الْمَالِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَخَذَ مَا يَخُصُّهُ مِنْ سَائِر الشُّرَكَاءِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ مَا يَنُوبُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ سَائِر الشُّرَكَاءِ ؛ فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ مِنْهُ لِشُرَكَائِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَدْفَعْ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِظُلْمِ شُرَكَائِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ .
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ : أَنَا لَمْ أَظْلِمْهُمْ ؛ بَلْ ظَلَمَهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ الْحِصَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ
أَوَّلاً : هَذَا الطَّالِبُ قَدْ يَكُونُ مَأْمُوراً مِمَّنْ فَوْقَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْمَالَ فَلَا يُسْقِطُ عَنْ بَعْضِهِمْ نَصِيبَهُ إلَّا أَخَذَهُ مِنْ نَصِيبِ ذَلِكَ الْآخَرِ فَيَكُونُ أَمْرُهُ بِأَنْ لَا يَأْخُذَ أَمْراً بِالظُّلْمِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ الْآمِرُ الْأَعْلَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الطَّلَبِ ظُلْماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ فِي هَذَا الظُّلْمِ وَلَا يَظْلِمَ فِيهِ ظُلْماً ثَانِياً فَيَبْقَى ظُلْماً مُكَرَّراً فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا كَانَ قِسْطُهُ مِائَةً فَطُولِبَ بِمِائَتَيْنِ كَانَ قَدْ ظُلِمَ ظُلْماً مُكَرَّراً بِخِلَافِ مَا إذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 340
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٠