وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ - مِن المُنْتَسِبِينَ إلَى فِقْهٍ أَوْ تَصَوُّفٍ - مُبْتَلُونَ بِذَلِكَ .
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أُصُولُ مَالِكٍ وَأُصُولُ أَحْمَد وَبَعْضُ أُصُولِ غَيْرِهِمَا : هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ .
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ غَالِبُ مُعَامَلَاتِ السَّلَفِ .
وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ إلَّا بِهِ وَكُلُّ مَنْ تَوَسَّعَ فِي تَحْرِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ غَرَراً : فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَضْطَرَّ إلَى إجَازَةِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ .
فَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِهِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِمَّا أَنْ يَحْتَالَ .
وَقَدْ رَأَيْنَا النَّاسَ وَبَلَغَتْنَا أَخْبَارُهُمْ فَمَا رَأَيْنَا أَحَداً الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ .
وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعاً أَنَّ مَفْسَدَةَ التَّحْرِيمِ لَا تَزُولُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا .
فَمِن المُحَالِ : أَنْ يُحَرِّمُ الشَّارِعُ عَلَيْنَا أَمْراً نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ ثُمَّ لَا يُبِيحُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا .
وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِنْسِ اللَّعِبِ .
وَلَقَدْ تَأَمَّلْت أَغْلَبَ مَا أَوْقَعَ النَّاسَ فِي الْحِيَلِ فَوَجَدْته أَحَدَ شَيْئَيْنِ : إمَّا ذُنُوبٌ جَوَّزُوا عَلَيْهَا بِتَضْيِيقٍ فِي أُمُورِهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا دَفْعَ هَذَا الضِّيقِ إلَّا بِالْحِيَلِ فَلَمْ تَزِدْهُمْ الْحِيَلُ إلَّا بَلَاءً كَمَا جَرَى لِأَصْحَابِ السَّبْتِ مِن اليَهُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وَهَذَا الذَّنْبُ ذَنْبٌ عَمَلِيٌّ .
وَإِمَّا مُبَالَغَةٌ فِي التَّشْدِيدِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّارِعِ فَاضْطَرَّهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إلَى الِاسْتِحْلَالِ بِالْحِيَلِ .
وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الِاجْتِهَادِ ؛ وَإِلَّا فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَأَخَذَ مَا أَحَلَّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 45
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥