الْفَاسِدَيْنِ فَرَّقُوا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَأَلْزَمُوا النَّاسَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ وَإِنْ شَرَطُوا فِيهِ شَرْطاً صَحِيحاً كَمَا أَلْزَمُوا الرَّجُلَ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْمَعِيبَةِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِنِكَاحِ مَعِيبَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ فَرَّقَ بَيْنَ عُيُوبِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا ؟ قِيلَ : قَدْ عُلِمَ أَنَّ عُيُوبَ الْفَرْجِ الْمَانِعَةَ مِن الوَطْءِ لَا يَرْضَى بِهَا فِي الْعَادَةِ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ ؛ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ الْأَمَةُ ؛ فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُقْلَبُ كَمَا تُقْلَبُ الْأَمَةُ وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ رِضاً مُطْلَقاً وَهُوَ لَمْ يَشْرِطْ صِفَةً فَبَانَتْ بِدُونِهَا .
فَإِنْ شَرَطَ فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد .
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَهُ الْفَسْخُ وَكَذَا بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّرْطُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَفْظاً أَوْ عُرْفاً وَفِي الْبَيْعِ دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِسَلِيمٍ مِن العُيُوبِ وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ لَمْ يَرْضَ بِمَنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَالْعَيْبُ الَّذِي يَمْنَعُ كَمَالَ الْوَطْءِ - لَا أَصْلَهُ - فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْوَطْءُ وَكَمَالُ الْوَطْءِ فَلَا تَنْضَبِطُ فِيهِ أَغْرَاضُ النَّاسِ .
وَالشَّارِعُ قَدْ أَبَاحَ بَلْ أَحَبَّ لَهُ النَّظَرَ إلَى الْمَخْطُوبَةِ وَقَالَ : { إذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ أَحَدِكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا } .
{ وَقَالَ لِمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً مِن الأَنْصَارِ : اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئاً } وَقَوْلُهُ : { أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 354
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٤