وَإِنْ كَانَ عِوَضاً ثَالِثاً فَهُوَ بِهِ أَحَقُّ أَيْضاً .
وَمَتَى كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَبْقَ صَغَارٌ وَلَا جِزْيَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ صَغَارٌ وَجِزْيَةٌ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ الَّذِي هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى بِيَدِهِ مُؤَدِّياً لِخَرَاجِهَا وَسَقَطَ عَنْهُ جِزْيَةُ جُمْجُمَتِهِ فَكَيْفَ يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا .
وَإِذَا جَازَ أَنْ تَبْقَى بِيَدِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مُسْلِمٍ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ بِحَالِ فَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَهَا صَغَاراً لَمْ يُجَامِعْ الْإِسْلَامَ كَجِزْيَةِ الرَّأْسِ .
وَلَا يُقَالُ : هِيَ كَالرِّقِّ تَمْنَعُهُ الْإِسْلَامَ ابْتِدَاءً وَلَا تَمْنَعُ دَوَامَهُ لِأَنَّ الرِّقَّ قَهَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ لَمْ نعاوضهم عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ جِزْيَةُ الرَّأْسِ لَا نُمَكِّنُهُمْ مِن المُقَامِ بِالْأَرْضِ الْإِسْلَامِيَّةِ إلَّا بِهَا فَهِيَ نَوْعٌ مِن الرِّقِّ لِثُبُوتِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُسْتَرَقِّ .
وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِرِضَى الْمُخَارَجِ وَاخْتِيَارِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْأَرْضَ مِنَّا لَمْ نَدْفَعْهَا إلَيْهِ ؛ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ الَّتِي عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا أَهْلَ خَيْبَرَ سَوَاءٌ : هُنَاكَ كَانَ الْعِوَضُ جُزْءاً مِن الزَّرْعِ وَهُنَا الْعِوَضُ مُسَمًّى مَعْلُومٌ .
وَهُنَاكَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئاً إلَّا إذَا زَرَعُوا وَهُنَا يَسْتَحِقُّ إذَا أَمْكَنَهُمْ الزَّرْعُ .
فَنَظِيرُهُ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُزَارَعَةِ يُعَامِلُ غَيْرَهُ بِأَقَلَّ مِن الجُزْءِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ؛ إذْ أَنَّ الْمَضَارِبَ يَدْفَعُ الْمَالَ مُضَارَبَةً لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمَالِكِ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 208
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠٨