وَأَيْضاً فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ رِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ .
وَمُوجِبُهَا هُوَ مَا أَوْجَبَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالتَّعَاقُدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَقَالَ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً } فَعَلَّقَ جَوَازَ الْأَكْلِ بِطِيبِ النَّفْسِ تَعْلِيقَ الْجَزَاءِ بِشَرْطِهِ .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ وَهُوَ حُكْمُ مُعَلَّقٌ عَلَى وَصْفٍ مُشْتَقٍّ مُنَاسِبٍ .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ سَبَبٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ .
وَإِذَا كَانَ طِيبُ النَّفْسِ هُوَ الْمُبِيحَ لِأَكْلِ الصَّدَاقِ فَكَذَلِكَ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ : قِيَاساً عَلَيْهِ بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } لَمْ يُشْتَرَطْ فِي التِّجَارَةِ إلَّا التَّرَاضِي وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرَاضِيَ هُوَ الْمُبِيحُ لِلتِّجَارَةِ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا تَرَاضَى الْمُتَعَاقِدَانِ بِتِجَارَةِ أَوْ طَابَتْ نَفْسُ الْمُتَبَرِّعِ بِتَبَرُّعِ : ثَبَتَ حِلُّهُ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ ؛ إلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ الْعَقْدَ لَهُ حَالَانِ : حَالُ إطْلَاقٍ وَحَالُ تَقْيِيدٍ .
فَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ مِن العُقُودِ .
فَإِذَا قِيلَ : هَذَا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ : يُنَافِي الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ .
فَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ زَائِدٍ .
وَهَذَا لَا يَضُرُّهُ وَإِنْ أُرِيدَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ : احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إذَا نَافَى مَقْصُودَ الْعَقْدِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 155
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٥