وَالْمُعَاوَنَةُ لَنَا عَلَى خَلَاصِهِمْ ؛ فَإِنَّ فِي الْإِسَاءَةِ إلَيْهِمْ دَرْكاً عَلَى الْمَلِكِ فِي دِينِهِ وَدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَرْكاً مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمُعَاوَنَةِ عَلَى خَلَاصِهِمْ حَسَنَةٌ لَهُ فِي دِينِهِ وَدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَكَانَ الْمَسِيحُ أَعْظَمَ النَّاسِ تَوْصِيَةً بِذَلِكَ .
وَمِن العَجَبِ كُلَّ الْعَجَبِ أَنْ يَأْسِرَ النَّصَارَى قَوْماً غَدْراً أَوْ غَيْرَ غَدْرٍ وَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَالْمَسِيحُ يَقُولُ : " مَنْ لَطَمَك عَلَى خَدِّك الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّك الْأَيْسَرَ وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَك فَأَعْطِهِ قَمِيصَك " وَكُلَّمَا كَثُرَتْ الْأَسْرَى عِنْدَكُمْ كَانَ أَعْظَمَ لِغَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُ السُّكُوتُ عَلَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي قُبْرُصَ سِيَّمَا وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى قَوْمٌ فُقَرَاءُ وَضُعَفَاءُ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَسْعَى فِيهِمْ .
وَهَذَا أَبُو الْعَبَّاسِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ عِبَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ عِبَادَةٌ وَفَقْرٌ وَفِيهِ مَشْيَخَةٌ وَمَعَ هَذَا فَمَا كَادَ يَحْصُلُ لَهُ فِدَاؤُهُ إلَّا بِالشِّدَّةِ .
وَدِينُ الْإِسْلَامِ يَأْمُرُنَا أَنْ نُعِينَ الْفَقِيرَ وَالضَّعِيفَ .
فَالْمَلِكُ أَحَقُّ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ؛ لَا سِيَّمَا وَالْمَسِيحُ يُوصِي بِذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ وَيَأْمُرُ بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَيْرِ الشَّامِلِ كَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ .
وَالْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ إذَا عَاوَنُونَا عَلَى تَخْلِيصِ الْأَسْرَى وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ كَانَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْجُرُ عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمَسِيحِيِّينَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 625
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٢٥