الصَّوْتُ .
وَمِنْهُ : الِانْتِحَابُ فِي الْبُكَاءِ وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ فِي الْعَهْدِ .
ثُمَّ لَمَّا كَانَ عَهْدُهُمْ هُوَ نَذْرُهُمْ الصِّدْقُ فِي اللِّقَاءِ - وَمَنْ صَدَقَ فِي اللِّقَاءِ فَقَدْ يُقْتَلُ - صَارَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ { قَضَى نَحْبَهُ } أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ .
لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ النَّحْبُ : نَذْرُ الصِّدْقِ فِي جَمِيعِ الْمُوَاطِنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِيهِ إلَّا بِالْمَوْتِ .
وَقَضَاءُ النَّحْبِ هُوَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ .
كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } أَيْ أَكْمَلَ الْوَفَاءَ .
وَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ عَهْدُهُ مُطْلَقاً : بِالْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ .
{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } قَضَاءَهُ إذَا كَانَ قَدْ وَفَى الْبَعْضَ فَهُوَ يَنْتَظِرُ تَمَامَ الْعَهْدِ .
وَأَصْلُ الْقَضَاءِ : الْإِتْمَامُ وَالْإِكْمَالُ .
{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً } .
بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَتَى بِالْأَحْزَابِ لِيَجْزِيَ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ حَيْثُ صَدَقُوا فِي إيمَانِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } .
فَحَصَرَ الْإِيمَانَ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ هُمْ الصَّادِقُونَ فِي قَوْلِهِمْ : آمَنَّا ؛ لَا مَنْ قَالَ كَمَا قَالَتْ الْأَعْرَابُ : آمَنَّا وَالْإِيمَانُ لَمْ يَدْخُلْ فِي قُلُوبِهِمْ ؛ بَلْ انْقَادُوا وَاسْتَسْلَمُوا .
وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وَإِمَّا أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ .
فَهَذَا حَالُ النَّاسِ فِي الْخَنْدَقِ وَفِي هَذِهِ الْغَزَاةِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 461
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦١