يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } وَلِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي الْأَقْيَادِ وَالسَّلَاسِلِ حَتَّى تُدْخِلُوهُمْ الْجَنَّةَ .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ لِلنَّاسِ : فَهُمْ أَنْفَعُهُمْ لَهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ إحْسَاناً إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَّلُوا أَمْرَ النَّاسِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ حَيْثُ أَمَرُوا بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَوْا عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ لِكُلِّ أَحَدٍ وَأَقَامُوا ذَلِكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَهَذَا كَمَالُ النَّفْعِ لِلْخَلْقِ .
وَسَائِرِ الْأُمَمِ لَمْ يَأْمُرُوا كُلَّ أَحَدٍ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ ؛ وَلَا نَهَوْا كُلَّ أَحَدٍ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَلَا جَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ .
بَلْ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا كَبَنِي إسْرَائِيلَ فَعَامَّةُ جِهَادِهِمْ كَانَ لِدَفْعِ عَدُوِّهِمْ عَنْ أَرْضِهِمْ كَمَا يُقَاتِلُ الصَّائِلُ الظَّالِمُ ؛ لَا لِدَعْوَةِ الْمُجَاهِدِينَ وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ : { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } { قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } إلَى قَوْلِهِ : { قَالُوا يَا مُوسَى إنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 123
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٣