يَنْضَجْ وَكَالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ وَهُوَ : الَّذِي خُلِطَ بِالرَّدِيءِ وَأَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ جَيِّدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ : يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إتْلَافِهِ .
وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ أَتْلَفَ اللَّبَنَ الَّذِي شِيبَ لِلْبَيْعِ : فَلَأَنْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ وَزَجْرُهُ عَنْ الْعَوْدِ وَيَكُونُ انْتِفَاعُ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ أَنْفَعَ مِنْ إتْلَافِهِ وَعُمَرُ أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغْنِي النَّاسَ بِالْعَطَاءِ ؛ فَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي الْمَدِينَةِ إمَّا قَلِيلاً وَإِمَّا مَعْدُومِينَ .
وَلِهَذَا جَوَّزَ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ التَّصَدُّقَ بِهِ وَكَرِهُوا إتْلَافَهُ .
فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَطْرَحُ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ فِي الْأَرْضِ أَدَباً لِصَاحِبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ؛ وَرَأَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ .
وَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْيَسِيرِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَقَالَ : لَا يُحِلُّ ذَنْبٌ مِن الذُّنُوبِ مَالَ إنْسَانٍ وَإِنْ قَتَلَ نَفْساً ؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهُرُ عَنْهُ وَقَدْ اسْتَحْسَنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ ؛ وَفِي ذَلِكَ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِإِعْطَائِهِمْ إيَّاهُ وَلَا يهراق .
قِيلَ لِمَالِكِ : فَالزَّعْفَرَانُ وَالْمِسْكُ أَتَرَاهُ مِثْلُهُ ؟ قَالَ : مَا أَشْبَهَهُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ غِشُّهُ فَهُوَ كَاللَّبَنِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هَذَا فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ مِنْهُ فَأَمَّا
مجموعة الفتاوى — صفحة 115
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٥