كَانَ الثَّانِيَ : فَيَكُونُ قَدْ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ اجْتِهَاداً لَوْ اجتهده فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ عِنْدَ الصَّلِيبِ لَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ ؛ فَالسَّبَبُ هُوَ اجْتِهَادُهُ فِي الدُّعَاءِ ؛ لَا خُصُوصُ الْقَبْرِ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا قُدِّرَ أَنَّ لِلْقُبُورِ نَوْعَ تَأْثِيرٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ بِهَا كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الرُّوحَ الْمُفَارِقَةَ : تَتَّصِلُ بِرُوحِ الدَّاعِي فَيَقْوَى بِذَلِكَ كَمَا يَزْعُمُهُ ابْنُ سِينَا وَأَبُو حَامِدٍ وَأَمْثَالُهُمَا فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ كَانَ بِسَبَبِ آخَرَ .
فَيُقَالُ : لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ نَالَ بِهِ الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ يَكُونُ مَشْرُوعاً بَلْ وَلَا مُبَاحاً وَإِنَّمَا يَكُونُ مَشْرُوعاً إذَا غَلَبَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ .
أَمَّا إذَا غَلَبَتْ مَفْسَدَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعاً ؛ بَلْ مَحْظُوراً وَإِنْ حَصَلَ بِهِ بَعْضُ الْفَائِدَةِ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَحْرِيمُ السِّحْرِ مَعَ مَا لَهُ مِن التَّأْثِيرِ وَقَضَاءِ بَعْضِ الْحَاجَاتِ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَدُعَائِهَا وَاسْتِحْضَارِ الْجِنِّ .
وَكَذَلِكَ الْكِهَانَةُ وَالِاسْتِقْسَامُ بِالْأَزْلَامِ ؛ وَأَنْوَاعُ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ تَضَمُّنِهَا أَحْيَاناً نَوْعَ كَشْفٍ أَوْ نَوْعَ تَأْثِيرٍ .
وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُقْضَى بِهَا حَوَائِجُهُمْ .
وَأَمَّا
مجموعة الفتاوى — صفحة 177
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٧