وَلَا فِي الْعَقْلِ وَمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ مَا يُعْلَمُ بِهِ نَفْيُ ذَلِكَ .
وَإِنَّمَا نَفْيُ ذَلِكَ جَزْماً بِغَيْرِ مِثْلُ نَفْيِ بَعْضِ الْجُهَّالِ أَنْ تَكُونَ الْأَفْلَاكُ مُسْتَدِيرَةً : فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ جَزْماً وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي الْجَزْمَ بِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَكِلَاهُمَا جَهْلٌ .
فَمِنْ أَيْنَ لَهُ نَفْيُ ذَلِكَ أَوْ نَفْيُ الْعَامِّ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مَا قَدْ يَفْهَمُهُ بِفَهْمِهِ النَّاقِصِ .
هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } وَقَالَ : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ : فِي فَلْكَةٍ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ وَهَكَذَا هُوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْفَلَكُ الشَّيْءُ الْمُسْتَدِيرُ .
وَمِنْهُ يُقَالُ : تَفَلَّكَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ إذَا اسْتَدَارَ .
قَالَ تَعَالَى : { يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } وَالتَّكْوِيرُ هُوَ التَّدْوِيرُ .
وَمِنْهُ قِيلَ : كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا إذَا أَدَارَهَا .
وَمِنْهُ قِيلَ : لِلْكُرَةِ كُرَةٌ وَهِيَ الْجِسْمُ الْمُسْتَدِيرُ وَلِهَذَا يُقَالُ : لِلْأَفْلَاكِ كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْكُرَةِ كورة تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفاً وَكَوَّرْت الْكَارَةَ إذَا دَوَّرْتهَا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : { إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 193
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٣