الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تَلْبَسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِرْعاً مِنْ جَرَبٍ وَسِرْبَالاً مِنْ قَطِرَانٍ } فَلَا يَحْمِلُ عَمَّنْ يَنُوحُ وِزْرَهُ أَحَدٌ .
وَأَمَّا تَعْذِيبُ الْمَيِّتِ : فَهُوَ لَمْ يَقُلْ : إنَّ الْمَيِّتَ يُعَاقَبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، بَلْ قَالَ : " يُعَذَّبُ " وَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِن العِقَابِ فَإِنَّ الْعَذَابَ هُوَ الْأَلَمُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَأَلَّمَ بِسَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ عِقَاباً لَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِن العَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ } فَسَمَّى السَّفَرَ عَذَاباً وَلَيْسَ هُوَ عِقَاباً عَلَى ذَنْبٍ .
وَالْإِنْسَانُ يُعَذَّبُ بِالْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا مِثْلَ الْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ فَهُوَ يَتَعَذَّبُ بِسَمَاعِ هَذَا وَشَمِّ هَذَا وَرُؤْيَةِ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلاً لَهُ عُوقِبَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنْ يُعَذَّبَ الْمَيِّتُ بِالنِّيَاحَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ النِّيَاحَةُ عَمَلاً لَهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ ؟ .
وَالْإِنْسَانُ فِي قَبْرِهِ يُعَذَّبُ بِكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ وَيَتَأَلَّمُ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ وَبِسَمَاعِ كَلَامِهِ وَلِهَذَا أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : بِأَنَّ الْمَوْتَى إذَا عُمِلَ عِنْدَهُمْ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُمْ يَتَأَلَّمُونَ بِهَا كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ ، فَتَعْذِيبُهُمْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 374
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٤