إلَى عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ : كَطَاوُوسٍ وَغَيْرِهِ .
وَابْنُ عُيَيْنَة نَفْسُهُ الَّذِي رَوَى هَذَا الْأَثَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ إلَى عَرَفَةَ فِي الْحَجِّ وَكَانَ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَطَاوُوسِ يَقُولُ أَحَدُهُمْ : أَتُرَى النَّاسَ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ صَلَّوْا فِي الْمَوْسِمِ خِلَافَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَهَذِهِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ ؛ فَإِنَّهُ مِن الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا حَجُّوا مَعَهُ كَانُوا خَلْقاً كَثِيراً وَقَدْ خَرَجُوا مَعَهُ إلَى مِنًى يُصَلُّونَ خَلْفَهُ وَإِنَّمَا صَلَّى بِمِنَى أَيَّامَ مِنًى قَصْراً وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ : أَهْلُ مَكَّةَ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْمُرْ أَحَداً مِنْهُمْ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ .
ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ كَانَا يُصَلِّيَانِ فِي الْمَوْسِمِ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ كَذَلِكَ وَلَا يَأْمُرَانِ أَحَداً بِإِتْمَامِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى بِمَكَّةَ قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ .
فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ لَا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ؛ فَإِنَّهُ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي فِي مَكَّةَ بَلْ كَانَ يُصَلِّي بِمَنْزِلِهِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ تَدَبَّرَ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى بِأَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ وَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ مُسْلِمٌ قَطُّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِإِتْمَامِ : عَلِمَ قَطْعاً أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْصُرُونَ خَلْفَهُ وَهَذَا مِن الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا غَيْرِهِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ أَمَرَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 125
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٥