تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ : فَالْقُنُوتُ هُوَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَهَذَا يَكُونُ فِي الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ } وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ إدَامَةُ الْقِيَامِ كَمَا قِيلَ : فِي قَوْلِهِ : { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي } فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى إطَالَتِهِ الْقِيَامَ لِلدُّعَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْقِيَامِ لَهُ قَانِتِينَ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ . وَقِيَامُ الدُّعَاءِ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَا يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ وَلِأَنَّ الْقَائِمَ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ هُوَ قَانِتٌ لِلَّهِ أَيْضاً . وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ أُمِرُوا بِالسُّكُوتِ وَنُهُوا عَنْ الْكَلَامِ } . فَعُلِمَ أَنَّ السُّكُوتَ هُوَ مِن تَمَامِ الْقُنُوتِ الْمَأْمُورِ بِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْقِيَامِ ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى . سَوَاءٌ كَانَتْ الْفَجْرَ أَوْ الْعَصْرَ ؛ بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } فَيَكُونُ أَمْراً بِالْقُنُوتِ مَعَ الْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ وَالْمُحَافَظَةُ تَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ فَالْقِيَامُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ . وَاحْتَجُّوا أَيْضاً : بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِي عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا زَالَ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } قَالُوا : وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : { ثُمَّ تَرَكَهُ } أَرَادَ تَرْكَ الدُّعَاءِ عَلَى تِلْكَ