وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ : فَجَرَى عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي وَافَقَهُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَد وَهُوَ أَنَّ مَا أَبَانَ حَرْفَيْنِ مِن هَذِهِ الْأَصْوَاتِ كَانَ كَلَاماً مُبْطِلاً وَهُوَ أَشَدُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ الْحُجَّةِ فَإِنَّ الْإِبْطَالَ إنْ أَثْبَتُوهُ بِدُخُولِهَا فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ فِي لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِن الْمَعْلُومِ الضَّرُورِيِّ أَنَّ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ بِالْقِيَاسِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي الْكَلَامِ يَقْصِدُ الْمُتَكَلِّمُ مَعَانِيَ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِلَفْظِهِ وَذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي .
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلاً } وَأَمَّا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ فَهِيَ طَبِيعِيَّةٌ كَالتَّنَفُّسِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ زَادَ فِي التَّنَفُّسِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا تُفَارِقُ التَّنَفُّسَ بِأَنَّ فِيهَا صَوْتاً وَإِبْطَالُ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِلَا أَصْلٍ وَلَا نَظِيرٍ .
وَأَيْضاً فَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالنَّحْنَحَةِ وَالنَّفْخِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَيْضاً فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ بِيَقِينِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا بِالشَّكِّ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ هُوَ مَا يُدْعَى مِن الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ هَذَا إثْبَاتُ حُكْمٍ بِالشَّكِّ الَّذِي لَا دَلِيلَ مَعَهُ وَهَذَا النِّزَاعُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ خَشْيَةِ اللَّهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِخَشْيَةِ اللَّهِ فَمَذْهَبُ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَإِنَّ هَذَا إذَا كَانَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ كَانَ مِن جِنْسِ ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ فَإِنَّهُ كَلَامٌ
مجموعة الفتاوى — صفحة 622
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٢٢