الْمِحْرَابُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ الْأَئِمَّةُ وَهَلُمَّ جَرّاً .
وَنَقْلُهُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ كُلُّهُمْ شَهِدُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَاةَ خُلَفَائِهِ وَكَانُوا أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ وَأَشَدَّ إنْكَاراً عَلَى مَنْ خَالَفَهَا مِن غَيْرِهِمْ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُغَيِّرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الْعَمَلُ يَقْتَرِنُ بِهِ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ كُلِّهِمْ مِن بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِيَّ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ وَلَيْسَ لِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ غَرَضٌ بِالْإِطْبَاقِ عَلَى تَغْيِيرِ السُّنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا وَلَا يُمْكِنُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ كُلَّهُمْ أَقَرَّتْهُمْ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةَ أَنَّ خُلَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُلُوكَهُمْ لَا يُبَدِّلُونَ سُنَّةً لَا تَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ مِلْكِهِمْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِن الْأَهْوَاءِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا لِلْمُلُوكِ فِيهَا غَرَضٌ .
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ إذَا احْتَجَّ بِهَا الْمُحْتَجُّ لَمْ تَكُنْ دُونَ تِلْكَ بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهَا أَقْوَى مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ الْجَزْمَ بِكَوْنِ صَلَاةِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ أَشْبَهَ بِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ بِهَا وَالصَّحَابَةِ بِهَا أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَبُ مِن الْجَزْمِ بِكَوْنِ صَلَاةِ شَخْصٍ أَوْ شَخْصَيْنِ أَشْبَهَ بِصَلَاةِ آخَرَ حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا لَمْ يَذْهَبْ ذَاهِبٌ قَطُّ إلَى أَنَّ عَمَلَ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 429
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٩