يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا يُورِدُهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ كَوْنُ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا يَمْتَنِعُ تَرْكُ نَقْلِهَا فَإِنَّهُمْ عَارَضُوا أَحَادِيثَ الْجَهْرِ وَالْقُنُوتِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَأَمَّا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فَقَدْ نُقِلَ فِعْلُ هَذَا وَهَذَا وَأَمَّا الْقُنُوتُ فَإِنَّهُ قَنَتَ تَارَةً وَتَرَكَ تَارَةً وَأَمَّا الْجَهْرُ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ وَلَمْ يُنْقَلْ فَيَدْخُلُ فِي الْقَاعِدَةِ .
( الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْأُمُورَ الْعَدَمِيَّةَ لَمَّا اُحْتِيجَ إلَى نَقْلِهَا نُقِلَتْ فَلَمَّا انْقَرَضَ عَصْرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَصَارَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يَجْهَرُ بِهَا كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِ سَأَلَ بَعْضُ النَّاسِ بَقَايَا الصَّحَابَةِ كَأَنَسِ فَرَوَى لَهُمْ أَنَسٌ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ الْخُلَفَاءِ فَكَانَتْ السُّنَّةُ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً وَلَمْ يَكُنْ فِي الْخُلَفَاءِ مَنْ يَجْهَرُ بِهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى السُّؤَالِ عَنْ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ حَتَّى يُنْقَلَ .
( الثَّالِثُ أَنَّ نَفْيَ الْجَهْرِ قَدْ نُقِلَ نَقْلاً صَحِيحاً صَرِيحاً فِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةُ وَالْجَهْرُ بِهَا لَمْ يُنْقَلْ نَقْلاً صَحِيحاً صَرِيحاً مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ وَالشَّرْعَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُمُورَ الْوُجُودِيَّةَ أَحَقُّ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ مِن الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ .
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَنْ تَدَبَّرَهَا وَكَانَ عَالِماً بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ قَطَعَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 419
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٩