قلت : هذا محال من وجهين :
أحدهما : أنّ القرآن إنّما انزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وقبله لم يكن ، فكيف يقرؤه داود عليه السلام ؟
أجابوا بأنّ المراد بالقرآن هنا إنّما هو الزبور والتوراة ، وأ نّه إنّما سمّاه قرآنا لوقوع المعجزة بهما كوقوعها بالقرآن ، فيكون المراد به مصدر القراءة لا القرآن المنزل على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم .
قلت : في هذا الجواب نظر ؛ إذ حملوا فيه كلام أبي هريرة على ما لم يقصده ، واللّه أعلم .
ثانيهما : أنّ مدّة إسراج الدابّة لتضيق عن قراءة القرآن ، سواء أريد به المنزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أم أريد به الزبور والتوراة ، ومن المقرّر بحكم الضرورة العقليّة امتناع وقوع الفعل في وقت لا يسعه ، وهذا ممّا لا سبيل إلى التشكيك فيه أبدا .
وإذن لا يؤبه بما ذكره العلّامة القسطلاني في شرح هذا الحديث من إرشاد الساري ، إذ قال :
وقد دلّ هذا الحديث على أنّ اللّه تعالى يطوي الزمان كما يطوي المكان لهم - قال : - قال النووي : إنّ بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعا بالنهار ، ولقد رأيت أبا الطاهر في القدس الشريف سنة سبع وستّين وثمانمائة وسمعت عنه إذ ذاك أنّه كان يقرأ فيهما أكثر من عشر ختمات ، بل قال لي شيخ الإسلام - البرهان بن أبي شريف أدام اللّه النفع بعلومه - عنه : أنّه كان يقرأ خمس عشرة ختمة في اليوم والليلة . - قال : - وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلّا بالفيض الربّاني « 1 » . انتهى بلفظه .
قلت : بل لا سبيل إلى تصديقه إلّا إذا أمكن وضع الدنيا على سعتها في البيضة على ضيقها .
وأولو الألباب يعلمون أنّ طيّ الزمان وطيّ المكان كليهما ممّا لا حقيقة له ، ولو
هامش
( 1 ) - . إرشاد الساري 396 : 5 .