على أنّ فرار الحجر ككلام البقرة والذئب يخالف سنّة اللّه في خلقه ، فلا يمكن صدوره إلّا في مقام التحدّي والإعجاز ، ومقام نبيّ اللّه موسى حين اغتسل لم يكن مقام تحدّ وتعجيز لتصدر فيه الآيات وخوارق العادات .
ثمّ إنّ هرب الحجر بثيابه لا يبيح له هذا الطيش بإبداء عورته ، وهتك حرمته ، وقد كان في وسعه أن يبقى في مكانه حتّى يؤتى بثيابه ، كما يفعله كلّ ذي لبّ إذا ابتلي بمثل هذه القصّة .
أمّا براءته من الادرة ، فليست من الأمور التي يباح في سبيلها هتكه وتشهيره ، ولا هي من الأمور التي يمكن أن يصدر بسببها الآيات والمعجزات ؛ إذ يمكن العلم ببراءته منها بخبر نسائه . ولو فرض عدم إمكان براءته من الادرة ، فأيّ ضرر يلحقه بذلك ، والأنبياء كلّهم معرّض لأمثالها . وقد أصيب شعيب عليه السلام ببصره ، وأيّوب عليه السلام بجسمه ، وأنبياء اللّه كافّة تمرّضوا وماتوا - صلوات اللّه وسلامه عليهم - ولا يجب عقلا انتفاء مثل هذه العوارض عنهم ، ولا سيّما إذا كانت مستورة .
نعم ، لا يجوز عليهم ما يوجب نقصا في مشاعرهم أو في مروءتهم أو يوجب نفرة الناس عنهم ، والادرة ليست في شيء من ذلك .
على أنّ القول بأنّ بني إسرائيل كانوا يظنّون أنّ في موسى أدرة لم ينقل إلّا عن أبي هريرة ، فليعطف هذا على سائر غرائبه .
أمّا الواقعة التي أشار اللّه إليها بقوله عزّ من قائل : «
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى
» « 1 » فالمرويّ عن عليّ عليه السلام وابن عبّاس أنّها قضيّة اتّهامهم إيّاه بقتل هارون « 2 » ، وهو الذي اختاره الجبائي « 3 » . وقيل : هي قضيّة المومسة التي أغراها قارون
هامش
( 1 ) - . الأحزاب 69 : 33 .
( 2 ) - . مجمع البيان 372 : 8 ، ذيل الآية .
( 3 ) - . حكاه عنه الطبرسي في المصدر .