واقتدى به في ذلك عمر بن عبد العزيز ، إذ كتب إليه عامله بالكوفة يستفتيه في قتل رجل سبّ عمر بن الخطّاب ، فكتب إليه : لا يحلّ قتل امرئ مسلم بسبّ أحد من الناس ، إلّا رجلا سبّ رسول اللّه ، فمن سبّه صلى الله عليه وآله وسلم حلّ دمه ( 1 ) .
وأنت إذا نظرت في أحوال الصحابة بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وجدت حروبا تشبّ ، وغارات تشنّ ، وحرمات مهتوكة ، ودماء مسفوكة ، وشتما وضربا ، وهضما وسلبا .
وحسبك : اقتلوا نعثلا فقد كفر « 1 » ، فحوصر وقتل . ثمّ كانت وقعة الجمل الأصغر « 2 » ، فوقعة الجمل الأكبر ، فصفّين . ثمّ كان من معاوية وأوليائه ما كان ممّا طار في الأجواء ، وطبّق الأرض والسماء .
فلينظر ناظر بعقله هل كان بين هؤلاء وبين اللّه - عزّ وجلّ - قرابة فيحابيهم بها ؟
كلّا ، ما كان اللّه ليثيب قوما بأمر يعاقب عليه آخرين ، إنّ حكمه في الأوّلين والآخرين لواحد ، وما بينه - عزّ وجلّ - وبين أحد من خلقه هوادة « 3 » في إباحة حمى حرّمه على العالمين ، فإذا كان التأوّل عذرا للأوّلين ، فهو عذر للآخرين «
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
» « 4 » .
شرح
( 1 ) كما في الباب الأوّل من القسم الرابع من كتاب الشفاء . وأخرج محمّد بن سعد في أحوال عمر بن عبد العزيز ص 279 من الجزء الخامس من طبقاته بسنده إلى سهيل بن أبي صالح قال : إنّ عمر بن عبد العزيز قال : لا يقتل أحد في سبّ أحد إلّا في سبّ نبيّ « 5 » . انتهى .
هامش
( 1 ) - . هذا كلام قالته عائشة في عثمان . راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 215 : 6 ؛ تاريخ الطبري 459 : 4 ، حوادث سنة 34 .
( 2 ) - . وهي الوقعة التي جرت حوادثها في البصرة قبل معركة الجمل الأكبر بين جيش طلحة والزبير وعائشة من جانب ، وبين عثمان بن حنيف وإلي أمير المؤمنين عليه السلام على البصرة من جانب آخر .
( 3 ) - . الهوادة : السكون والرخصة والمحاباة . لسان العرب 440 : 3 « ه . و . د » .
( 4 ) - . ق 37 : 50 .
( 5 ) - . الطبقات الكبرى 379 : 5 .