وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ لِطَهَارَةِ وَاجِبَةٍ أَوْ شُرْبٍ وَاجِبٍ لَا يَبْقَى مَكْرُوهاً .
وَلَكِنْ هَلْ يَبْقَى مَكْرُوهاً عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي طَهَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ هَذَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ ؛ لِتَعَارُضِ مَفْسَدَةِ الْكَرَاهَةِ وَمَصْلَحَةِ الِاسْتِحْبَابِ .
وَالتَّحْقِيقُ : تَرْجِيحُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً بِحَسَبِ رُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ تَارَةً وَالْمَفْسَدَةِ أُخْرَى .
وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَقَدْ يُقَالُ : بِنَاءُ الْحَمَّامِ وَاجِبٌ حِينَئِذٍ حَيْثُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ الْعَامِّ .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّمَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ فِيهَا عِنْدَ وُجُودِهَا وَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا ابْتِدَاءً .
كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ لِلطَّهَارَةِ وَلَا إعْدَادُ الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ فَإِذَا فُتِحَتْ مَدِينَةٌ وَفِيهَا حَمَّامٌ لَمْ يُهْدَمْ وَالْحَالُ هَذِهِ .
كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ .
وَكَذَلِكَ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ بِإِرْثِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا مَنْ مَلَكَهَا بِاخْتِيَارِهِ فَالْكَلَامُ فِي مِلْكِهَا ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ بِنَائِهَا .
وَعَلَى هَذَا ؛ فَقَدْ يُقَالُ : نَحْنُ إنَّمَا نَكْرَهُ بِنَاءَهَا ابْتِدَاءً فَأَمَّا إذَا بَنَاهَا غَيْرُنَا فَلَا نَأْمُرُ بِهَدْمِهَا ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الفَسَادِ وَكَلَامُ أَحْمَد الْمُتَقَدِّمُ إنَّمَا هُوَ فِي الْبِنَاءِ لَا فِي الْإِبْقَاءِ وَالِاسْتِدَامَةُ أَقْوَى مِن الابْتِدَاءِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْإِحْرَامُ وَالْعِدَّةُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا يَمْنَعُ دَوَامَهُ وَأَهْلُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 312
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٢