وَذَلِكَ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْمَذْيُ يَخْرُجُ عَقِيبَ تَفَكُّرٍ وَنَظَرٍ وَمَسِّ الْمَرْأَةِ لَا الذَّكَرِ ؛ فَإِذَا كَانُوا لَا يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ بِالنَّظَرِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ إفْضَاءً إلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ : فَبِمَسِّ الذَّكَرِ أَوْلَى .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ : اللَّمْسُ سَبَبُ تَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ كَمَا فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ وَتَحْرِيكُ الشَّهْوَةِ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ كَمَا يُتَوَضَّأُ مِن الغَضَبِ وَأَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُطْفَأُ بِالْوُضُوءِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّمَا يَتَوَضَّأُ إذَا انْتَشَرَ انْتِشَاراً شَدِيداً .
وَكَذَلِكَ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ : يَتَوَضَّأُ إذَا انْتَشَرَ لَكِنَّ هَذَا الْوُضُوءَ مِن اللَّمْسِ : هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ؟ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ؛ فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الذَّكَرِ لَهَا مَوْضِعٌ أُخَرُ .
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا مَسْأَلَةُ مَسِّ النِّسَاءِ .
وَالْأَظْهَرُ أَيْضاً أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ بِحَمْلِ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَيْسَ فِيهِ نَسْخُ قَوْلِهِ : { وَهَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك ؟ } وَحَمْلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْلَى مِن النَّسْخِ .
وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 241
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤١