ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ { أَنَّهُ لَمَّا فُتِحَتْ أَطْرَافُ الْعِرَاقِ وَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ } كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَكِنْ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ فِيهِ : أَحْسَبُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَطَعَ بِهِ غَيْرُهُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَكَانَ مَا سَمِعَهُ هَؤُلَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا سَمِعَهُ غَيْرُهُمْ .
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ فِي تَرْخِيصِهِ فِي الْخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتِ يَقُولُ : السَّرَاوِيلَاتُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ : { مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ } .
فَهَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيِّنٌ فِيهِ فِي عَرَفَاتٍ - وَهُوَ أَعْظَمُ مَجْمَعٍ كَانَ لَهُ - أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ .
وَلَمْ يَأْمُرْ بِقَطْعِ وَلَا فَتْقٍ وَأَكْثَرُ الْحَاضِرِينَ بِعَرَفَاتِ لَمْ يَشْهَدُوا خُطْبَتَهُ وَمَا سَمِعُوا أَمْرَهُ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الشَّرْعَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ بِعَرَفَاتِ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ بِالْمَدِينَةِ إنَّمَا أَرْخَصَ فِي لُبْسِ النَّعْلَيْنِ وَمَا يُشْبِهُهُمَا مِن المَقْطُوعِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدِمَ مَا يُشَبِّهُ بِهِ الْخُفَّيْنِ يَلْبَسُ الْخُفَّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 195
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٥