الْوُضُوءِ ثُمَّ عَرَضَ أَمْرٌ وَاجِبٌ يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِتْمَامِ - كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَهُ - ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ كَالطَّوَافِ وَأَوْلَى وَكَذَلِكَ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ الْوُضُوءِ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُفَرِّقُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ ؛ وَالْمُفَرِّطِ ؛ وَالْمُعْتَدِي ؛ وَمَنْ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ وَلَا مُعْتَدٍ .
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُعْتَمِدٌ وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ وَبِهِ يَظْهَرُ الْعَدْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ .
وَقَدْ تَأَمَّلْت مَا شَاءَ اللَّهُ مِن المَسَائِلِ الَّتِي يَتَبَايَنُ فِيهَا النِّزَاعُ نَفْياً وَإِثْبَاتاً حَتَّى تَصِيرَ مُشَابِهَةً لِمَسَائِلِ الْأَهْوَاءِ ؛ وَمَا يَتَعَصَّبُ لَهُ الطَّوَائِفُ مِن الأَقْوَالِ ؛ كَمَسَائِلِ الطَّرَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ؛ وَغَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ : فَوَجَدْت كَثِيراً مِنْهَا يَعُودُ الصَّوَابُ فِيهِ إلَى الْوَسَطِ ؛ كَمَسْأَلَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَمَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ ؛ وَإِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ ؛ وَالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ؛ وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ؛ وَمَسْأَلَةِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ وَتَبْيِيتِهَا ؛ وَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ وَمَسَائِلِ الشَّرِكَةِ : كَشَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُفَاوَضَةِ وَمَسْأَلَةِ صِفَةِ الْقَاضِي .
وَكَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى
مجموعة الفتاوى — صفحة 141
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤١