خَرَجَا مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا - فَلَا بُدَّ مِنْ إيجَابٍ ثَانٍ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّهُ إذَا أُوجِبَ النِّكَاحُ لِغَائِبِ وَذَهَبَ إلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَبِلَ فِي مَجْلِسِ الْبَلَاغِ : أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فَظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ ثَانٍ : بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَرَاخِي الْقَبُولِ مُطْلَقاً وَإِنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا وَطُولِ الْفَصْلِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مِثْلِ الْهِدَايَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهَا : أَنَّهُ يَصِحُّ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ .
وَذَلِكَ خَطَأٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَدُّ - فِيمَا أَظُنُّ - فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ ظَاهِرٌ وَيَذْهَبُ إلَى الْفَرْقِ : غَيْرُهُ مِن الفُقَهَاءِ كَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ .
وَهَذَا التَّفْرِيقُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَقْوَالِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ كَذَلِكَ لَكِنِّي لَمْ أَتَأَمَّلْ بَعْدُ نَصَّهُ فِي الْوُضُوءِ .
فَإِنَّهُ كَثِيراً مَا يُحْكَى عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَنْصُوصُهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ وَيَكُونُ هُوَ الصَّوَابَ كَمَسْأَلَةِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ وَمَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُوصِي .
وَأَيْضاً فَالْمُوَالَاةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ أَوْكَدُ مِنْهُ فِي الْوُضُوءِ وَمَعَ هَذَا فَتَفْرِيقُ الطَّوَافِ لِمَكْتُوبَةٍ تُقَامُ أَوْ جِنَازَةٍ تُحْضَرُ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى الطَّوَافِ وَلَا يَسْتَأْنِفُ : فَالْوُضُوءُ أَوْلَى بِذَلِكَ .
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 140
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٠