تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وَأَحْرَى وَكِتَابَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ تَسْتَلْزِمُ إرَادَتَهُ لِذَلِكَ وَمَحَبَّتَهُ لَهُ وَرِضَاهُ بِذَلِكَ وَتَحْرِيمُهُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَلْزِمُ بُغْضَهُ لِذَلِكَ وَكَرَاهَتَهُ لَهُ وَإِرَادَتَهُ وَمَحَبَّتُهُ لِلْفِعْلِ تُوجِبُ وُقُوعَهُ مِنْهُ وَبُغْضَهُ لَهُ وَكَرَاهَتَهُ لِأَنْ يَفْعَلَهُ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ مِنْهُ . فَأَمَّا مَا يُحِبُّهُ وَيُبْغِضُهُ مِنْ أَفْعَالِ عِبَادِهِ فَذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ فَفَرْقٌ بَيْنَ فِعْلِهِ هُوَ وَبَيْنَ مَا هُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ لَهُ وَلَيْسَ فِي مَخْلُوقِهِ مَا هُوَ ظُلْمٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاعِلِهِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ هُوَ ظُلْمٌ كَمَا أَنَّ أَفْعَالَ الْإِنْسَانِ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَكُونُ سَرِقَةً وَزِناً وَصَلَاةً وَصَوْماً وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا بِمَشِيئَتِهِ وَلَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ إذْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ هِيَ لِلْفَاعِلِ الَّذِي قَامَ بِهِ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا أَنَّ الصِّفَاتِ هِيَ صِفَاتٌ لِلْمَوْصُوفِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ لَا لِلْخَالِقِ الَّذِي خَلَقَهَا وَجَعَلَهَا صِفَاتٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ مَوْصُوفٍ وَصِفَتَهُ . ثُمَّ صِفَاتُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ صِفَاتٍ لَهُ : كَالْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ لِعَدَمِ قِيَامِ ذَلِكَ بِهِ . وَكَذَلِكَ حَرَكَاتُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ لَهُ وَلَا أَفْعَالاً لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ؛ لِكَوْنِهَا مَفْعُولَاتٍ هُوَ خَلَقَهَا . وَبِهَذَا الْفَرْقُ تَزُولُ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ وَالْأَمْرُ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنْ تَرْكِ هَذَا الَّذِي لَوْ تُرِكَ لَكَانَ تَرْكُهُ نَقْصاً وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي لَوْ كَانَ لَأَوْجَبَ نَقْصاً .
مجموعة الفتاوى — صفحة 151 | ابن تيمية