عُلِمَ بِالْعَقْلِ وُجُوبُهَا وَتَحْرِيمُهَا وَلَكِنْ أَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ [ مِنْ ] الْمُنْكَرَاتِ مَا بَنَوْهُ عَلَى بِدْعَتِهِمْ فِي التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ .
وَالطَّرَفُ الثَّانِي : طَرَفُ الْغُلَاةِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا : لَا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْ فِعْلٍ مِن الأَفْعَالِ وَلَا نَعْلَمُ وَجْهَ امْتِنَاعِ الْفِعْلِ مِنْهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ خَبَرِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ الْمُطَابِقِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ .
وَهَؤُلَاءِ مَنَعُوا حَقِيقَةَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { إنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ كِتَاباً فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ : إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي } " وَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُجَرَّدَ الْمُطَابِقَ لِلْعِلْمِ لَا يُبَيِّنُ وَجْهَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ ؛ إذْ الْعِلْمُ يُطَابِقُ الْمَعْلُومَ ؛ فَعِلْمُهُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِأَنَّهُ كَتَبَ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ وَحَرَّمَ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ كَائِنٍ مَنْ كَانَ أَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا وَلَا يَفْعَلُ كَذَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانٌ لِكَوْنِهِ مَحْمُوداً مَمْدُوحاً عَلَى فِعْلِ هَذَا وَتَرْكِ هَذَا ؛ وَلَا فِي ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ قِيَامَ الْمُقْتَضِي لِهَذَا وَالْمَانِعِ مِنْ هَذَا ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ الْمَحْضَ كَاشِفٌ عَنْ الْمُخْبِرِ عَنْهُ ؛ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا يَدْعُو إلَى الْفِعْلِ وَلَا إلَى التَّرْكِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ : { كَتَبَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 148
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٨