{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } فَهُوَ مَا قَدْ نَزَلَ مِن القُرْآنِ جَعَلَاهُ مِن النسخة { أَوْ نَنْسأهَا } أَيْ نُؤَخِّرُهَا فَلَا يَكُونُ وَهُوَ مَا لَمْ يُنَزِّلْ .
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ رَوَى بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ عَنْ عَطَاءٍ { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } أَمَّا مَا نُسِخَ فَهُوَ مَا تُرِكَ مِن القُرْآنِ ( بِالْكَافِ ) وَكَأَنَّهُ تَصَحُّفٌ عَلَى مَنْ ظَنَّهُ نَزَلَ مِن النُّزُولِ فَإِنَّ لَفْظَ تُرِكَ فِيهِ إبْهَامٌ .
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي تَرَكَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ مُرَادُ عَطَاءٍ هَذَا وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ تَرَكَ مَكْتُوباً مَتْلُوّاً وَنُسِخَ حُكْمُهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِهِ وَمَا أَنْسَأَهُ هُوَ مَا أَخَّرَهُ لَمْ يُنْزِلْهُ .
وَسَعِيدٌ وَعَطَاءٌ مِنْ أَعْلَمِ التَّابِعِينَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمَا هَذَا .
وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } وَزَعَمَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهُ غَلِطَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ فَسَرَّهَا بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ مَا نَنْسَخْ نَجْعَلُكُمْ تَنْسَخُونَهَا كَمَا يُقَالُ أَكْتَبْته هَذَا .
وَقِيلَ : أَنْسَخُ جَعَلَهُ مَنْسُوخاً كَمَا يُقَالُ : قَبَرَهُ إذَا أَرَادَ دَفْنَهُ وَأَقْبَرَهُ أَيْ جَعَلَ لَهُ قَبْراً .
وَطَرَدَهُ إذَا نَفَاهُ وَأَطْرَدَهُ إذَا جَعَلَهُ طَرِيداً .
وَهَذَا أَشْبَهُ بِقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ .
وَالصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ فَسَّرَ أَوْ نَنْسَأهَا أَيْ نُؤَخِّرُهَا عِنْدَنَا فَلَا نُنْزِلُهَا .
وَالْمَعْنَى : أَنَّ مَا نَنْسَخُهُ مِن الآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا أَوْ نُؤَخِّرُ نُزُولَهُ مِن الآيَاتِ الَّتِي لَمْ نُنَزِّلْهَا بَعْدَ { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } فَكَمَا أَنَّهُ يُعَوِّضُهُمْ مِن المَرْفُوعِ يُعَوِّضُهُمْ مِن المُنْتَظَرِ الَّذِي لَمْ يُنَزِّلْهُ بَعْدُ إلَى أَنْ يُنَزِّلَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 188
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٨