تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
فَقَوْلُهُ { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِأَنَّهُ مَعْبُودُهُمْ . لِأَنَّ كُلَّ مَا عَبَدَهُ الْكَافِرُ وَجَبَتْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ كَافِراً لَا يَكُونُ مَعْبُودُهُ الْإِلَهَ الَّذِي يَعْبُدُهُ الْمُؤْمِنُ . إذْ لَوْ كَانَ هُوَ مَعْبُودَهُ لَكَانَ مُؤْمِناً لَا كَافِراً . وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أُمُوراً . أَحَدُهَا : أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ بَرَاءَتَهُ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ . الثَّانِي : أَنَّهُمْ إذَا عَبَدُوا اللَّهَ وَغَيْرَهُ فَمَعْبُودُهُمْ الْمَجْمُوعُ وَهُوَ لَا يَعْبُدُ الْمَجْمُوعَ لَا يَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ . فَيَعْبُدُهُ عَلَى وَجْهِ إخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الشِّرْكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ . وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ الْخَلِيلِ { إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ } { إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي } وَقَوْلُهُ { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ } { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } بِأَنْ يُقَالَ : هُنَا نَفْيُ عِبَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي عِبَادَةَ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ . وَالْخَلِيلُ تَبَرَّأَ مِن المَجْمُوعِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَاسْتَثْنَى . أَوْ يُقَالُ : الْخَلِيلُ تَبَرَّأَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعْبُودِينَ مِن الجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَثْنَى رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَلِهَذَا لَمَّا وَقَعَ مُسْتَثْنًى فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ