لَازِمَةٌ .
فَإِنَّهُ لَا تُوجَدُ مَبْنِيَّةً إلَّا بِبَانِيهَا وَلَا مطحية إلَّا بِطَاحِيهَا وَلَا مُسَوَّاةً إلَّا بِمُسَوِّيهَا .
وَأَمَّا الْمَرْءُ الْمُزَكِّي نَفْسَهُ وَالْمُدَسِّيهَا فَقَدْ انْقَضَى عَمَلُهُ فِي الدُّنْيَا وَفَلَاحُهُ وَخَيْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ لَيْسَا مُسْتَلْزِمَيْنِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ .
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } .
وَلِهَذَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنْ صِفَاتِ مَنْ يَعْلَمُ فِي قَوْلِهِ { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } كَمَا يُسْتَفْهَمُ عَلَى وَجْهٍ بِهَا فِي قَوْلِهِ { مَاذَا تَعْبُدُونَ } .
وَأَمَّا قَوْلُهُ { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } فَالِاسْتِفْهَامُ عَنْ عَيْنِ الْخَالِقِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ .
فَإِنَّ الْمُسْتَفْهِمِينَ بِهَا كَانُوا مُقِرِّينَ بِصِفَةِ الْخَالِقِ وَإِنَّمَا طَلَبَ بِالِاسْتِفْهَامِ تَعْيِينَهُ وَتَمْيِيزَهُ وَلِتُقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِاسْتِحْقَاقِهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ .
وَأَمَّا فِرْعَوْنُ فَكَانَ مُنْكِراً لِلْمَوْصُوفِ الْمُسَمَّى فَاسْتَفْهَمَ بِصِيغَةِ " مَا " لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرّاً بِهِ طَالِباً لِتَعْيِينِهِ .
وَلِهَذَا كَانَ الْجَوَابُ فِي هَذَا الِاسْتِفْهَامِ بِقَوْلِ مُوسَى { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وَبِقَوْلِهِ { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ } فَأَجَابَ أَيْضاً بِالصِّفَةِ .
وَهُنَاكَ قَالَ { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } فَكَانَ الْجَوَابُ بِالِاسْمِ الْمُمَيِّزِ لِلْمُسَمَّى عَنْ غَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا } إلَى تَمَامِ الْآيَاتِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 597
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٩٧