وَأَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْمَوَانِعِ الَّتِي فِيهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا سَبَقَ مِن القَوْلِ فَهَذِهِ الْمَوَانِعُ يُرْجَى زَوَالُهَا وَيُمْكِنُ مَا لَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا مَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ تَغَيُّرِ حَالِهِمْ وَحُصُولِ الْهُدَى .
فَصْلٌ :
{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } .
جَاءَ الْخِطَابُ فِيهَا ب " مَا " وَلَمْ يَجِئْ ب " مَنْ " فَقِيلَ : { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } لَمْ يَقُلْ " لَا أَعْبُدُ مَنْ تَعْبُدُونَ " لِأَنَّ " مَنْ " لِمَنْ يَعْلَمُ وَالْأَصْنَامُ لَا تَعْلَمُ .
وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدّاً ، فَإِنَّ مَعْبُودَ الْمُشْرِكِينَ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَعْلَمُ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ .
وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ تَغْلِبُ صِيغَةُ أُولِي الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ { فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ } .
فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِحَالِ مَنْ يَعْلَمُ عَبَّرَ عَنْهُمْ بِعِبَادَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ { إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } الْآيَةَ فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَهُوَ لِأُولِي الْعِلْمِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 595
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٩٥