وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي يُعَارِضُونَ بِهِ الرَّسُولَ بَاطِلٌ لَا تَعَارُضَ فِيهِ .
وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ بَاطِلاً لَا يُعَارَضُ بَلْ هُوَ أَيْضاً مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ .
فَهُمْ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ الْعَقْلَ يُنَاقِضُ النَّقْلَ .
فَيُبَيِّنُ أَرْبَعَ مَقَامَاتٍ : أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُنَاقِضُهُ .
ثُمَّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ يُوَافِقُهُ .
وَيُبَيِّنُ أَنَّ عَقْلِيَّاتِهِمْ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا النَّقْلَ بَاطِلَةٌ .
وَيُبَيِّنُ أَيْضاً أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُخَالِفُهُمْ .
ثُمَّ لَا يَكْفِي أَنَّ الْعَقْلَ يُبْطِلُ مَا عَارَضُوا بِهِ الرَّسُولَ بَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا جَعَلُوهُ دَلِيلاً عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ .
فَهُمْ أَقَامُوا حُجَّةً تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الصَّانِعِ وَإِنْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِهَا الصَّانِعَ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا بِهِ الصَّانِعَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الصَّانِعِ وَتَعْطِيلِهِ .
فَلَا يَكْفِي فِيهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْحَقِّ ؛ بَلْ دَلَّ عَلَى الْبَاطِلِ الَّذِي يَعْلَمُونَ هُمْ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ .
وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ فِي أُصُولِهِمْ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ " وَيُقَالُ أَيْضاً هِيَ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَالْمَعْقُولِ " .
جَعَلُوهَا أُصُولاً لِلْعِلْمِ بِالْخَالِقِ وَهِيَ أُصُولٌ تُنَاقِضُ الْعِلْمَ بِهِ .
فَلَا يَتِمُّ الْعِلْمُ بِالْخَالِقِ إلَّا مَعَ اعْتِقَادِ نَقِيضهَا .
وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالدَّلِيلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعِلْمِ بِالرَّبِّ وَبَيْنَ الْمُنَاقِضِ الْمُعَارِضِ لِلْعِلْمِ بِالرَّبِّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 443
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٣