تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي يُعَارِضُونَ بِهِ الرَّسُولَ بَاطِلٌ لَا تَعَارُضَ فِيهِ . وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ بَاطِلاً لَا يُعَارَضُ بَلْ هُوَ أَيْضاً مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ . فَهُمْ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ الْعَقْلَ يُنَاقِضُ النَّقْلَ . فَيُبَيِّنُ أَرْبَعَ مَقَامَاتٍ : أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُنَاقِضُهُ . ثُمَّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ يُوَافِقُهُ . وَيُبَيِّنُ أَنَّ عَقْلِيَّاتِهِمْ الَّتِي عَارَضُوا بِهَا النَّقْلَ بَاطِلَةٌ . وَيُبَيِّنُ أَيْضاً أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُخَالِفُهُمْ . ثُمَّ لَا يَكْفِي أَنَّ الْعَقْلَ يُبْطِلُ مَا عَارَضُوا بِهِ الرَّسُولَ بَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا جَعَلُوهُ دَلِيلاً عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ . فَهُمْ أَقَامُوا حُجَّةً تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الصَّانِعِ وَإِنْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِهَا الصَّانِعَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَلَامَهُمْ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا بِهِ الصَّانِعَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الصَّانِعِ وَتَعْطِيلِهِ . فَلَا يَكْفِي فِيهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْحَقِّ ؛ بَلْ دَلَّ عَلَى الْبَاطِلِ الَّذِي يَعْلَمُونَ هُمْ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ . وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ فِي أُصُولِهِمْ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ " وَيُقَالُ أَيْضاً هِيَ " تَرْتِيبُ الْأُصُولِ فِي مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَالْمَعْقُولِ " . جَعَلُوهَا أُصُولاً لِلْعِلْمِ بِالْخَالِقِ وَهِيَ أُصُولٌ تُنَاقِضُ الْعِلْمَ بِهِ . فَلَا يَتِمُّ الْعِلْمُ بِالْخَالِقِ إلَّا مَعَ اعْتِقَادِ نَقِيضهَا . وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالدَّلِيلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعِلْمِ بِالرَّبِّ وَبَيْنَ الْمُنَاقِضِ الْمُعَارِضِ لِلْعِلْمِ بِالرَّبِّ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 443 | ابن تيمية