وَحُدُوثِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَمَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَسَلْسُلُ الْمُحْدَثَاتِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمُحْدَثِ مُحْدِثٌ وَلِلْمُحْدَثِ مُحْدِثٌ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ .
وَهَذَا يُسَمَّى تَسَلْسُلَ الْمُؤَثِّرَاتِ وَالْعِلَلِ وَالْفَاعِلِيَّةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ وَذُكِرَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِن الإِشْكَالَاتِ .
حَتَّى ذُكِرَ كَلَامُ الآمدي والأبهري مَعَ كَلَامِ الرَّازِي وَغَيْرِهِمْ .
مَعَ أَنَّ هَذَا بَدِيهِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي الْعُقُولِ وَتِلْكَ الْخَوَاطِرُ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ .
وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَبْدَ إذَا خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَيَنْتَهِيَ عَنْهُ .
فَقَالَ : { يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ : مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : اللَّهُ .
فَيَقُولُ : فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ } .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُحْدِثَ الْوَاحِدَ لَا يُحْدِثُ إلَّا بِمُحْدِثِ .
فَإِذَا كَثُرَتْ الْحَوَادِثُ وَتَسَلْسَلَتْ كَانَ احْتِيَاجُهَا إلَى الْمُحْدِثِ أَوْلَى .
وَكُلُّهَا مُحْدَثَاتٌ فَكُلُّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى مُحْدِثٍ .
وَذَلِكَ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُحْدِثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ بَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ بِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَإِذَا قِيلَ : إنَّ الْمَوْجُودَ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْقَدِيمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ كَانَ بُرْهَاناً صَحِيحاً .
مجموعة الفتاوى — صفحة 445
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٥