تَأْوِيلِ ذَلِكَ وَالْمَصِيرُ إلَى الْإِيمَانِ بِظَاهِرِهِ وَالْوُقُوفُ عَنْ تَفْسِيرِهِ لِأَنَّا قَدْ نُهِينَا أَنْ نَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِنَا وَلَمْ يُنَبِّهْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَى ذَلِكَ .
فَيُقَالُ : أَمَّا كَوْنُ الرَّجُلِ يَسْكُتُ عَمَّا لَا يَعْلَمُ فَهَذَا مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ .
لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مَعْنَى الْآيَةِ وَتَفْسِيرَهَا وَتَأْوِيلَهَا .
وَإِذَا كَانَ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ فَمَضْمُونُهُ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَهُوَ كَلَامُ شَاكٍّ لَا يَعْلَمُ مَا أُرِيدَ بِالْآيَةِ .
ثُمَّ إذَا ذَكَرَ لَهُمْ بَعْضَ التَّأْوِيلَاتِ كَتَأْوِيلِ مَنْ يُفَسِّرُهُ بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ وَقُدْرَتِهِ أَبْطَلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا يُسْقِطُ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ .
وَهَذَا نَفْيٌ لِلتَّأْوِيلِ وَإِبْطَالٌ لَهُ .
فَإِذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } أَثْبَتُوا تَأْوِيلاً لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَهُمْ يَنْفُونَ جِنْسَ التَّأْوِيلِ .
وَنَقُولُ مَا الْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ ؟ وَقَدْ أَمْكَنَ بِدُونِهِ أَنْ نُثْبِتَ إتْيَاناً وَمَجِيئاً لَا يُعْقَلُ كَمَا يَلِيقُ بِهِ كَمَا أَثْبَتْنَا ذَاتاً لَهَا حَقِيقَةً لَا تُعْقَلُ وَصِفَاتٍ مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تُعْقَلُ .
وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْوِيلُ هَذَا وَأَنْ نُقَدِّرَ مُضْمَراً مَحْذُوفاً مِنْ قُدْرَةٍ أَوْ عَذَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَا مَنَعَكُمْ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ " كَذَلِكَ ؟ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 419
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٩