فَإِذَا قِيلَ " تَعَدَّدَتْ الْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ " فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ كَثْرَةِ قَدْرِهَا وَأَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا كَانَتْ لَا أَنَّ هُنَاكَ مَعْدُودَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ كَمَا قَدْ يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ .
وَلِهَذَا كَانَ الْعِلْمُ اسْمَ جِنْسٍ .
فَلَا يَكَادُ يَجْمَعُ فِي الْقُرْآنِ بَلْ يُقَالُ { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } فَيَذْكُرُ الْجِنْسَ .
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ مِيَاهٍ بَلْ إنَّمَا يَذْكُرُ جِنْسَ الْمَاءِ : { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً } وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَالْعِلْمُ يُشَبَّهُ بِالْمَاءِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِن الهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً . . . الْحَدِيثَ } .
وَقَدْ قَالَ : { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } إلَى قَوْلِهِ { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ } .
وما خَلَقَهُ الرَّبُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَرَاهُ وَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ عِبَادِهِ .
وَالْمَعْدُومُ لَا يَرَى بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ .
والسالمية كَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ لَمْ يَقُولُوا : إنَّهُ يُرَى قَائِماً بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَالُوا : يَرَاهُ الرَّبُّ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ مَعْدُوماً فِي ذَاتِ الشَّيْءِ الْمَعْدُومِ .
فَهُمْ يَجْعَلُونَ الرُّؤْيَةَ لِمَا يَقُومُ بِنَفْسِ الْعَالَمِ مِنْ صُورَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 312
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٢