بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلاً " .
وَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ " أَيُّهَا الْعَالِمُ " فَقَالَ : " إنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ " فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَخْشَاهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَذَكَّرَ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْأَشْقَى يَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى فَصَارَ الَّذِي يَخْشَى ضِدَّ الْأَشْقَى .
فَلِذَلِكَ يُقَالُ " كُلُّ مَنْ تَذَكَّرَ خَشِيَ " .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّذَكُّرَ سَبَبُ الْخَشْيَةِ فَإِنْ كَانَ تَامّاً أَوْجَبَ الْخَشْيَةَ ؛ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ سَبَبُ الْخَشْيَةِ فَإِنْ كَانَ تَامّاً أَوْجَبَ الْخَشْيَةَ .
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } جَعَلَ ذَلِكَ نَوْعَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الفَوَائِدِ .
أَحَدُهَا : أَنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَلَيْسَ هُوَ إلَهاً وَرَبّاً كَمَا ذُكِّرَ وَذَكَرَ إحْسَانَ اللَّهِ إلَيْهِ .
فَهَذَا التَّذَكُّرُ يَدْعُوهُ إلَى اعْتِرَافِهِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ .
فَيَقْتَضِي الْإِيمَانَ وَالشُّكْرَ وَإِنْ قَدَّرَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُهُ .
فَإِنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقّاً وَنَافِعاً يَقْتَضِي طَلَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَراً
مجموعة الفتاوى — صفحة 179
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٩