فَلَا يَزَالُ فِي عُلُوٍّ مَا دَامَ كَذَلِكَ فَإِذَا أَذْنَبَ هَبَطَ قَلْبُهُ إلَى أَسْفَلَ فَلَا يَزَالُ فِي هُبُوطٍ مَا دَامَ كَذَلِكَ وَوَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمْثَالِهِ عَدَاوَةٌ ؛ فَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْراً ثَابَ وَعَمِلَ فِي حَالِ هُبُوطِ قَلْبِهِ إلَى أَنْ يَسْتَقِيمَ فَيَصْعَدُ قَلْبُهُ قَالَ تَعَالَى : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } فَتَقْوَى الْقُلُوبِ هِيَ الَّتِي تَنَالُ اللَّهَ كَمَا قَالَ : { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } فَأَمَّا الْأُمُورُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنَّا مِن اللُّحُومِ وَالدِّمَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَنَالُ اللَّهَ .
و " الْبَاطِنِيَّةُ " الْمُنْكِرُونَ لِخَلْقِ الْعَالَمِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمُعَادِ الْأَبْدَانِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلاً يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ عِنْدَهُمْ مَا ثَمَّ " جَنَّةٌ " إلَّا لَذَّةُ مَا تَتَّصِفُ بِهَا النَّفْسُ مِن العِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَمَا ثَمَّ " نَارٌ " إلَّا أَلَمُ مَا تَتَّصِفُ بِهِ النَّفْسُ مِن الجَهْلِ وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ السَّيِّئَةِ فَنَارُ النُّفُوسِ أَلَمُهَا الْقَائِمُ بِهَا كَحَسَرَاتِهَا لِفَوَاتِ الْعِلْمِ أَوْ لِفَوَاتِ الدُّنْيَا الْمَحْبُوبَةِ لَهَا وَحَجْبُهَا إنَّمَا هِيَ ذُنُوبُهَا .
وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا يَذْكُرُهُ أَبُو حَامِدٍ فِي " الْمَضْنُونِ بِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ " لَكِنْ قَدْ يَقُولُ هَذَا : لَيْسَ هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَجْسَامِ ؛ بَلْ ذَاكَ أَمْرٌ آخَرُ مِمَّا بَيَّنَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ .
وَلَا نَعِيمَ عِنْدِهِمْ إلَّا مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ هَذَا وَلِهَذَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ نَعِيمٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ النَّفْسِ وَلَا عَذَابٌ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 161
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦١