وَمَنْ قَالَ : إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرِهِ عُبِّرَ بِهِ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ وَإِنَّ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَإِنَّهُ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآناً وبالعبرانية كَانَ تَوْرَاةً وبالسريانية كَانَ إنْجِيلاً فَيَجْعَلُونَ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } و { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مَعْنًى وَاحِداً وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَهُوَ قَوْلٌ أَحْدَثَهُ ابْنُ كُلَّابٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ غَيْرَهُ مِن السَّلَفِ .
وَإِنْ أَرَادَ الْقَائِل بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ أَنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِن القُرَّاءِ وَالْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمَصَاحِفِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ أَخْطَأَ وَابْتَدَعَ وَقَالَ مَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } فَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ الْقَارِئِ وَالْكَلَامَ كَلَامُ الْبَارِئِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } فَالْقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ وَفِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْسِمِ فَيَقُولُ :
مجموعة الفتاوى — صفحة 583
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٨٣