الِاتِّصَافَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْقَصُ مِمَّنْ هُوَ قَابِلٌ لَهَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهَا ؛ فَإِنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ ؛ لَا كَمَا يَقُولُهُ الصَّابِئَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن الجَهْمِيَّة : إنَّهُ ابْتَدَأَ مِنْ نَفْسِ النَّبِيِّ أَوْ مِنْ " الْعَقْلِ الْفَعَّالِ " أَوْ مِنْ " الْهَوَاءِ " بَلْ هُوَ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وَإِنَّهُ إلَيْهِ يَعُودُ إذَا أُسْرِيَ بِهِ مِن المَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ .
وَصَارَ " الْإِمَامُ أَحْمَد " عَلَماً لِأَهْلِ السُّنَّةِ الْجَائِينَ بَعْدَهُ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ : كُلُّهُمْ يُوَافِقُهُ فِي جُمَلِ أَقْوَالِهِ وَأُصُولِ مَذَاهِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ عَلَى الْأُمَّةِ الْإِيمَانَ الْمَوْرُوثَ وَالْأُصُولَ النَّبَوِيَّةَ - مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يُحَرِّفَهَا وَيُبَدِّلَهَا - وَلَمْ يَشْرَعْ دِيناً لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهِ وَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ سَائِر الْأَئِمَّةِ الْأَعْيَانِ حَتَّى إنَّ أَعْيَانَ أَقْوَالِهِ مَنْصُوصَةٌ عَنْ أَعْيَانِهِمْ ؛ لَكِنْ جَمَعَ مُتَفَرِّقَهَا وَجَاهَدَ مُخَالِفَهَا وَأَظْهَرَ دَلَالَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهَا وَمَقَالَاتُهُ وَمَقَالَاتُ الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فِي الْجَهْمِيَّة كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ .
" وَالْجَهْمِيَّة " هُمْ نفاة صِفَات اللَّهِ الْمُتَّبِعُونَ لِلصَّابِئَةِ الضَّالَّةِ .
وَصَارَتْ فُرُوعُ التَّجَهُّمِ تَجُولُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ .
فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعْرُوفاً بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ : وَلَا نَقُولُ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ بَلْ نَقِفُ وَبَاطِنُ أَكْثَرِهِمْ مُوَافِقٌ للمخلوقية وَلَكِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ أَشَدَّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِن اللَّهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 358
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٨