الْمُقَدِّمَةُ الصُّغْرَى إلَى دَلِيلٍ وَإِثْبَاتُ الْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِأَدِلَّةِ ظَنِّيَّةٍ وَنَفْسُ مَا بِهِ يَثْبُتُ عُمُومُ الْقَضِيَّةِ يَثْبُتُ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَصْلاً وَاسْتِعْمَالُ كِلَا الْقِيَاسَيْنِ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى .
وَبِهَذِهِ " الطَّرِيقَةِ " جَاءَ الْقُرْآنُ وَهِيَ طَرِيقَةُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِن المَوْجُودَاتِ فِي " قِيَاسِ التَّمْثِيلِ " وَلَا أَنْ يَدْخُلَ فِي " قِيَاسِ شُمُولٍ " تَتَمَاثَلُ أَفْرَادُهُ بَلْ مَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مِن الكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهِ مِن الوُجُوهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَمَا نُزِّهَ عَنْهُ غَيْرُهُ مِن النَّقَائِصِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّنْزِيهِ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } وَقَالَ تَعَالَى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } .
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا أَنَّ مَا يُسْتَفَادُ ب " الْقِيَاسُ الشُّمُولِيُّ " فِي عَامَّةِ الْأُمُورِ قَدْ يُسْتَفَادُ بِدُونِ ذَلِكَ فَتُعْلَمُ أَحْكَامُ الْجُزْئِيَّاتِ الدَّاخِلَةِ فِي الْقِيَاسِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ كَمَا إذَا قِيلَ : الْكُلُّ أَعْظَمُ مِن الجُزْءِ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَمَا مِنْ كُلٍّ مُعَيَّنٍ وَضِدَّيْنِ مُعَنَّيَيْنِ إلَّا وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ هَذَا جُزْءُ هَذَا وَأَنَّ هَذَا ضِدُّ هَذَا عُلِمَ أَنَّ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ هَذَا وَأَنَّ هَذَا لَا يُجَامِعُ هَذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 347
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٧