إنَّهُ لَصَوَابٌ إذَا صَحَّتْ مُقَدِّمَاتُهُ وَإِنْ كَانَتْ النَّتِيجَةُ فِي الْأَغْلَبِ أُمُوراً كُلِّيَّةً ذِهْنِيَّةً ثُبُوتُهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ كَالْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ مِن الأَعْدَادِ وَالْمَقَادِيرِ ؛ فَإِنَّ الْعَدَدَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الْمَعْدُودِ وَالْمِقْدَارَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الْأَجْسَامِ إنَّمَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ لَكِنْ أَنَّى وَأَكْثَرُ مُقَدِّمَاتِهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ دَعَاوَى يُدَعَّى فِيهَا بِعُمُومِ ؟ وَأَنَّ الْقَضِيَّةَ مِن المُسَلَّمَاتِ بِلَا حُجَّةٍ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ فِي الْقِيَاسِ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً مَعْلُومَةً لَمْ تُفِدْ الْمَطْلُوبَ وَهُمْ يَلْبِسُونِ الْمُهْمَلَاتِ الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَى الْجُزْئِيَّاتِ بِالْكُلِّيَّاتِ الْعَامَّةِ الْمُسَلَّمَاتِ أَوْ يُدَعَّى فِيهَا الْعُمُومُ بِنَوْعِ مِنْ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ قِيَاسٍ مِنْ " قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ " وَعَامَّةُ " الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ " الَّتِي لَهُمْ فِيهَا الْمَطَالِبُ الْإِلَهِيَّةُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا كُلِّيَّةً عَامَّةً ؛ إذْ عُمُومُهَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِمُجَرَّدِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِتَشْبِيهِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ كَمَا يَقُولُونَ : الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ وَلَيْسَ مَعَهُمْ إلَّا تَشْبِيهُ خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ بِالطَّبَائِعِ كَطَبِيعَةِ الْمَاءِ وَالنَّارِ مَعَ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي يُثْبِتُونَهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَفِي الْمَنْطِقِ أَيْضاً الَّذِينَ يَجْعَلُونَ قَضِيَّةَ الْأَنْوَاعِ مُرَكَّبَةً مِنْهُ وَهُوَ " الْجِنْسُ " وَ " الْفَصْلُ " لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَلَا تُوجَدُ إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ .
وَبَيَّنَّا أَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِن العَقْلِيَّاتِ الَّتِي هِيَ " الْجَوَاهِرُ الْعَقْلِيَّةُ " الْمُجَرَّدَةُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 344
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٤