بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ وَأَنَّ النَّبِيَّ لَهُ قُوَّةٌ حَدْسِيَّةٌ يَظْفَرُ بِالْحَدِّ الْأَوْسَطِ فِي الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ بِدُونِ مُعَلِّمٍ فَيَكُونُ أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهِ فَيَجْعَلُونَ عِلْمَهُ بِالْغَيْبِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَلَمْ يُدْرَكْ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ عُلُوماً طَبِيعِيَّةً أَوْ حِسَابِيَّةً وَنَحْوُ ذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُ لَا يُنَالُ عَلَمٌ إلَّا بِهِ ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَنَّهُ لَا مَوَادَّ يَقِينِيَّةً إلَّا مَا يَدَّعِيهِ الْمُدَّعِي مِمَّا عِنْدَهُ مِن الحَدْسِيَّاتِ الْمُعْتَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَالْبَدِيهِيَّاتِ الْمُعْتَادَةِ والمتواترات وَالْمُجَرَّبَاتِ الْمُعْتَادَةِ .
وَالْحَدْسِيَّاتُ الْمُعْتَادَةُ وَالْحِسُّ الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ وَالتَّجْرِبَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ بِمَجْرَدِهِ إلَّا أَمْرٌ مُعَيَّنٌ جُزْئِيٌّ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً فِي الْقِيَاسِ وَلَكِنْ يُعْلَمُ فِي الْعُمُومِ إمَّا بِوَاسِطَةِ قِيَاسِ تَمْثِيلٍ وَإِمَّا بِعِلْمِ ضَرُورِيٍّ يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ ابْتِدَاءً وَإِذَا أَحْدَثَ عِلْماً ضَرُورِيّاً عَامّاً لِأَفْرَادِ فَإِحْدَاثُ الْعِلْمِ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَفْرَادِ سَهْلٌ فَقَلَّ أَنْ يُسْتَفَادَ بِطَرِيقِهِمْ عِلْمٌ بِنَتِيجَةِ إلَّا وَالْعِلْمُ بِالنَّتِيجَةِ فِيهِ مُمْكِنٌ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ عُرِفَتْ الْمُقْدِمَاتُ أَوْ أَسْهَلُ فَلَا يَكُونُ فِي قِيَاسِهِمْ إلَّا زِيَادَةَ تَطْوِيلٍ وَتَهْوِيلٍ وَتَضْلِيلٍ .
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى " الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ " بِمَا فِيهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَنَافِعٍ وَضَارٍّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَنَفْيُ الْعِلْمِ إلَّا بِهَذَا الْقِيَاسِ وَنَفْيُ كَوْنِ الْقِيَاسِ يَقِينِيّاً إلَّا بِهَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ وَتَكْذِيبٌ بِمَا لَمْ يَحُطْ الْمُكَذِّبُ بِعِلْمِهِ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الطَّرِيقَةُ النَّبَوِيَّةُ السَّلَفِيَّةُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ " قِيَاسُ الْأَوْلَى " كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 349
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٩