اللَّهُ بِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِهِ كَمَا نَطَقَتْ النُّصُوصُ بِذَلِكَ بَلْ وَلَا مِثْلَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ فَلَيْسَ عِلْمُهُ مِثْلَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا قُدْرَتُهُ مِثْلَ قُدْرَتِهِمْ وَلَا كَلَامُهُ مِثْلَ كَلَامِهِمْ وَلَا نِدَاؤُهُ مِثْلَ نِدَائِهِمْ وَلَا صَوْتُهُ مِثْلَ أَصْوَاتِهِمْ .
فَمَنْ قَالَ عَنْ الْقُرْآنِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ : لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ هُوَ كَلَامُ غَيْرِهِ فَهُوَ مُلْحِدٌ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ أَوْ الْمِدَادَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ فَهُوَ مُلْحِدٌ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ ؛ بَلْ هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي الْمَصَاحِفِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغاً عَنْهُ مَسْمُوعاً مِن القُرَّاءِ لَيْسَ هُوَ مَسْمُوعاً مِنْهُ وَالْإِنْسَانُ يَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَيَرَاهَا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ فَهَذِهِ رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَاسِطَةِ وَتِلْكَ رُؤْيَةٌ مُطْلَقَةٌ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ يُسْمَعُ مِن المُتَكَلِّمِ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَيُسْمَعُ مِن المُبَلِّغِ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ وَالْمَقْصُودُ بِالسَّمَاعِ هُوَ كَلَامُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الْمَرْئِيُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .
فَمَنْ عَرَفَ مَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِن الاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ الَّتِي تُصِيبُ كَثِيراً مِن النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ : هَذَا الْمَسْمُوعُ كَلَامُ اللَّهِ وَالْمَسْمُوعُ صَوْتُ الْعَبْدِ وَصَوْتُهُ مَخْلُوقٌ ؛ فَكَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ .
وَهَذَا جَهْلٌ فَإِنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 138
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٨