رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ .
فَقَالَ لِأَهْلِهِ : إذَا أَنَا مُتّ فَخُذُونِي فذروني فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ .
ثُمَّ قَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى الَّذِي فَعَلْت ؟ فَقَالَ : مَا حَمَلَنِي إلَّا مَخَافَتُك .
فَغُفِرَ لَهُ } .
وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ : { أَنَّ رَجُلاً حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا يَئِسَ مِن الحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إذَا أَنَا مُتّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَباً كَثِيراً وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَاراً حَتَّى إذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَوَصَلَتْ إلَى عَظْمِي فَامْتَحَشَتْ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا ثُمَّ اُنْظُرُوا يَوْماً فذروني فِي الْيَمِّ .
فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ : لَهُ لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِك .
فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ } قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو أَنَا سَمِعْته - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ .
وَكَانَ نَبَّاشاً .
فَهَذَا الرَّجُلُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا تَفَرَّقَ هَذَا التَّفَرُّقَ فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ إنْكَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْكَارِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ كَفَرَ .
لَكِنَّهُ كَانَ مَعَ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَإِيمَانِهِ بِأَمْرِهِ وَخَشْيَتِهِ مِنْهُ جَاهِلاً بِذَلِكَ ضَالّاً فِي هَذَا الظَّنِّ مُخْطِئاً .
فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ .
وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّجُلَ طَمِعَ أَنْ لَا يُعِيدَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَأَدْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ شَاكّاً فِي الْمَعَادِ وَذَلِكَ كُفْرٌ - إذَا قَامَتْ حُجَّةُ النُّبُوَّةِ عَلَى مُنْكِرِهِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ - هُوَ بَيِّنٌ فِي عَدَمِ إيمَانِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 409
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠٩