رَبِّهِ مُؤْمِناً بِمَا جَاءَ عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ وَالْكَرَاهَةِ وَجِهَادِ النَّفْسِ أَعْمَالٌ تَعْمَلُهَا النَّفْسُ الْمُزَكَّاةُ فَتَزْكُو بِذَلِكَ أَيْضاً ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا عَمِلَتْ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّهَا تَتَدَنَّسُ وَتَنْدَسُّ وَتَنْقَمِعُ كَالزَّرْعِ إذَا نَبَتَ مَعَهُ الدَّغَلُ .
وَالثَّوَابُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى عَمَلٍ مَوْجُودٍ وَكَذَلِكَ الْعِقَابُ .
فَأَمَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا عِقَابَ لَكِنْ فِيهِ عَدَمُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالْخَيْرِ وَنَهَى عَنْ الشَّرِّ وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ فِعْلٌ مَوْجُودٌ وَاخْتَلَفُوا فِي النَّهْيِ هَلْ الْمَطْلُوبُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ أَمْ عَدَمِيٌّ فَقِيلَ : وُجُودِيٌّ وَهُوَ التَّرْكُ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ .
وَقِيلَ : الْمَطْلُوبُ عَدَمُ الشَّرِّ وَهُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ .
وَ " التَّحْقِيقُ " أَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا نَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَلَا بُدَّ أَلَّا يَقْرَبَهُ وَيَعْزِمَ عَلَى تَرْكِهِ وَيُكْرَهَ فِعْلُهُ وَهَذَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ بِلَا رَيْبٍ ؛ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ . . . وُجُودِيٌّ لَكِنْ قَدْ لَا يَكُونُ مُرِيداً لَهُ كَمَا يُكْرَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ طَبْعاً وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِهِ لِطَاعَةِ الشَّارِعِ وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَرَاهَةِ الطَّبْعِ وَهُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يُثَابُ عَلَيْهِ ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ كَثَوَابِ مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ وَجَاهَدَهَا عَنْ طَلَبِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 631
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٣١