وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَمْرُ النَّاسِ بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ تَدْسِيَتِهَا كَقَوْلِهِ : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَعْنَى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَمْرٌ لَهُمْ وَلَا نَهْيٌ ؛ وَلَا تَرْغِيبٌ وَلَا تَرْهِيبٌ .
وَالْقُرْآنُ إذَا أَمَرَ أَوْ نَهَى لَا يَذْكُرُ مُجَرَّدَ " الْقَدَرِ " فَلَا يَقُولُ : مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُؤْمِناً .
بَلْ يَقُولُ : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } إذْ ذِكْرُ مُجَرَّدِ الْقَدَرِ فِي هَذَا يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ وَلَا يَلِيقُ هَذَا بِأَضْعَفِ النَّاسِ عَقْلاً فَكَيْفَ بِكَلَامِ اللَّهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي مَقَامِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ يَذْكُرُ مَا يُنَاسِبُهُ مِن الوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الْقَدْرَ عِنْدَ بَيَانِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ : إمَّا بِمَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَإِمَّا بِإِنْعَامِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَيَذْكُرُهُ فِي سِيَاقِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَأَمَّا فِي مَعْرِضِ الْأَمْرِ فَلَا يَذْكُرُهُ إلَّا عِنْدَ النِّعَمِ .
كَقَوْلِهِ : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا } الْآيَةَ فَهَذَا مُنَاسِبٌ .
وَقَوْلُهُ : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى .
وَالْمَقْصُودُ " ذِكْرُ التَّزْكِيَةِ " قَالَ تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا } الْآيَةَ .
وَقَالَ : { فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } وَقَالَ : { الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } وَقَالَ : { وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى } وَأَصْلُ " الزَّكَاةِ " الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ .
وَمِنْهُ يُقَالُ : زَكَا الزَّرْعُ وَزَكَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 628
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٢٨